العيني

286

عمدة القاري

السعة بحيث يمتهنونه في هذا ، والجلد ليس فيه ما يميز غيره فيختص به قال : وإنما أراد فرصة من شيء صوف أو قطن أو خرقة أو نحوه ، يدل عليه الرواية الأخرى : فرصة ممسكة بضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد السين مع فتحها : أي قطعة من صوف أو نحوها مطيبة بالمسك ، وروى بعضهم : ممسكة ، بضم الميم الأولى وسكون الثانية وسين مخففة مفتوحة ، وقيل : مكسوة أي : من الإمساك وفي بعض الروايات : ( خذي فرصة ممسكة فتحملي بها ) قيل : أراد الخلق التي أمسكت كثيراً . فإنه أراد أن لا تستعمل الجديد من القطن وغيره للارتقاق به ، ولأن الخلق أصلح لذلك ، ووقع في كتاب عبد الرزاق يعني بالفرصة : المسك ، قال بعضهم هي : الذريرة ، وفي الأوسط للطبراني : ( خذي سكيكك ) . ذكر معانيه قولها : ( إن امرأة ) زاد في رواية وهيب : ( من الأنصار ) وسماها مسلم في رواية الأحوص عن إبراهيم بن مهاجر أسماء بنت شكل ، بفتح الشين المعجمة والكاف وفي آخره لام ، ولم يسم أباها في رواية غندر عن شعبة عن إبراهيم . وقال الخطيب : أسماء بنت يزيد ، وجزم به الأنصارية التي يقال لها خطيبة النساء وتبعه ابن الجوزي في ( التنقيح ) والدمياطي وزاد أن وقع في مسلم تصحيف ، ويحتمل أن يكون شكل ، لقياً لا إسماً ، والمشهور في المسانيد والمجامع في هذا الحديث أسماء بنت شكل ، كما في مسلم ، وأسماء بغير نسب كما في أبي داود ، وكذا في ( مستخرج ) أبي نعيم من الطريق التي أخرجه منها الخطيب ، وحكى النووي في ( شرح مسلم ) الوجهين من غير ترجيح ، وتبع رواية مسلم جماعات منهم ابن طاهر وأبو موسى في كتابه معرفة الصحابة ، وصوب بعض المتأخرين ما قاله الخطيب لأنه ليس في الأنصار من اسمه ، شكل ، وفي ( التوضيح ) بنت يزيد ، ولم ينفرد مسلم بذلك ، ، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في ( مسنده ) وأبو نعيم في ( مستخرجه ) كما ذكره مسلم سواء ، قولها : ( من المحيض ) وفي رواية : ( من الحيض ) وكلاهما مصدران قولها : ( قال : خذي ) هو بيان لأمرها وقال الكرماني : فإن قلت : كيف يكون بياناً للاغتسال وهو إيصال الماء إلى جميع البشرة لا أخذ الفرصة ؟ قلت : السؤال لم يكن عن نفس الاغتسال ، لأن ذلك معلوماً لكل أحد ، بل إنما كان ذلك مختصاً بغسل الحيض فلذلك أجاب به ، أو هو جملة حالية لا بيانية انتهى . قلت : هذا الجواب غير كاف لأنها سألت عن غسلها من المحيض ، وليس هذا إلاَّ سؤالاً عن ماهية الاغتسال ، فلذلك قال : صلى الله عليه وسلم في جوابه إياها : فأمرها كيف تغتسل ، يعني قال لها : اغتسلي كذا وكذا ، وهذا بمعناه ثم قول : ( خذي فرصة من مسك ) ليس ببيان للاغتسال المعهود ، وقوله لأن ذلك معلوم لكل أحد . فيه نظر ، لأنه يحتمل أن لا يكون معلوماً لها على ما ينبغي ، أو كان في اعتقادها أن الغسل عن المحيض خلاف الغسل عن الجنابة ، فلذلك قالت عائشة : سألت النبي ، عليه الصلاة والسلام ، عن غسلها من المحيض ، والأوجه عندي أن الذي رواه البخاري مختصر عن أصل هذا الحديث ، وفيه بيان كيفية الغسل وغيره على ما رواه مسلم : أن أسماء سألت عن غسل المحيض . فقال : تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور ، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها ، ثم تصب عليها الماء ، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها ، فقالت أسماء : وكيف أتطهر بها ؟ فقال : سبحان الله تطهرين بها . فقالت عائشة ، كأنها تحفى ذلك : تتبعين بها أثر الدم ، وسألته غسل الجنابة فقال : تأخذ ماء ، فتطهر فتحسن الطهور ، أو تبلغ الطهور ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤون رأسها ثم تفيض عليها الماء . فقالت عائشة : نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين . قولها : ( فتطهري بها ) قال : في الرواية التي بعدها : ( فتوضئي ثلاثاً ) . قوله : ( سبحان الله ) وزاد في الرواية الآتية ، ( ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استحيا فأعرض بوجهه ) وفي رواية الإسماعيلي : ( فلما رأيته يستحي علمتها ) وزاد الدارمي : ( وهو يسمع ولا ينكر ) ، وقد ذكرنا : أن : سبحان الله ، في مثل هذا الموضع يراد بها التعجب ، ومعنى التعجب هنا : كيف يحفى مثل هذا الظاهر الذي لا يحتاج الإنسان في فهمه إلى فكر ؟ قوله : ( فجذبتها ) وفي بعض الرواية : ( فاجتبذنها ) وفي رواية : ( فاجتذبتها ) يقال : جذبت واجتذبت واجتبذ ، وهو مقول عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قوله : ( تتبعي ) أمر من التتبع ، وهو المراد من تطهري . قوله : ( أثر الدم ) مقول : تتبعي ، وقال النووي : المراد به عند العلماء ، الفرج ، وقال المحاميل : يستحب لها أن تطيب كل موضع أصابه الدم من بدنها ، قال ، ولم أره لغيره ، ويؤيد ما قاله المحاملي رواية الإسماعيلي ، ( تتبعي بها مواضع الدم ) .